المترو ليس برئ.. حكايات عن التحرش في مترو الأنفاق.

كتب suzanne radwan
2022-05-24

 

" اوعي تتاخري ومتلحقيش آخر مترو، أركبي في عربية السيدات".

الوقت كان متأخر، كنت في شوارع جاردن سيتي، اتجه نحو محطة مترو أنور السادات بميدان التحرير، أسرع في حركتي حتى لا يفوتني آخر مترو، خلال الطريق شعرت برجلان يسيران خلفي، لم اعطي لهم انتباه، ثم اختفوا فجأة في منتصف الطريق.

أركب المترو، شهيق وزفير وشعور بالراحة، لأن لم يفوتني آخر مترو، لكن لا يكتمل هذا الشعور، لأني رأيت نفس الرجلان معي في نفس عربة المترو، ولسوء حظي ولأن الوقت كان متأخر لم يوجد في العربة غير رجل عجوز وبنت في نفس عمري، كانوا يجلسون في أماكن متفرقة، وكان من يجلس أمامي هما الرجلان.

اتعامل كأن الأمر طبيعي، مجرد صدفة أن طريقنا واحد، حتى بدأ رجل منهم في لمس عضوه الذكري، وهو ينظر لي ولجسدي، استمر في ذلك، ثم غير مكانه وجلس بجانبي، كنت أشعر بالرعب، لكن كل ما كان يدور في رأسي هو أنه قد يكون تحت تأثير مخدر، وقد يؤذيني.

بعد مرور أول محطة لم استطيع أن أتحمل هذا الرعب، نزلت من المترو، حتى أغير للعربة التي بجنبها، لكنهم نزلوا معي أيضاً، تحركت أسرع للعربة الأخري، ومازالوا خلفي، ركبت العربة، لكن أخيراً رأيتهم خارج العربة، نظرت عليهم من زجاج المترو، وأنا أشعر برعب وتوتر، حتى بعد أن تركوني.

 

هذا ما سردته نيرة عن التحرش والملاحقة التي تعرضت له في خلال طريقها لمترو الأنفاق وداخله.

 

مترو الأنفاق حسب الاعتقاد الشائع عند أغلب سكان القاهرة هو مواصلة آمنة، من حيث أن فرص الخطر فيه قليلة، فالخطر المتوقع في الطرق، والتأخير المتوقع في الإشارات المرورية لا يوجد في المترو.

 

كما أن يوجد صورة نمطية لديهم عن أن التحرش يحدث فقط في سيارات الأجرة (الميكروباصات)، سيارات الأجرة الخاصة (التاكسي) والأتوبيسات، فظل يوجد هالة حول فكرة المترو، بسبب أنه يكون برئ دوماً من قصص التحرش التي تحكي، وأيضاً بسبب الفصل الذي يحدث فيه، فيوجد عرباتان لكل مترو مخصصان للسيدات فقط، واحدة منهم تصبح مشتركة بعد الساعة ٩ مساءً، من أصل ٩ عربات.

 

ظلت نيرة تشعر بالرعب من المترو بعد ما حدث، واستمر هذا لوقت، وتقول" أنا كنت محظوظة جداً بمحيط واعي بالست وحقوقها، لما حكيت لصحابي قالولى إزاي متصوتيش أومضربتهمش؟، تانى مرة لما أتعرضت للتحرش، اتكلمت وأخدت حقي.

أنا شايفة إني كنت محظوظة بالوعي ده، من بعدها أنا تقريبا قادره أقول وأتكلم، لكن في وقت بتصدم من وقاحة المتحرش، لساني بيتربط ومش بكون عارفة أتكلم، ازاي بيدي نفسه الحق لنفسه في أنه يلمس جسمي"

 

نيرة هي طالبة في جامعة عين شمس، لكنها تعيش مع أهلها في القليوبية، ولا تستطيع تستقل وتعيش بالقاهرة، بسبب رفض اهلها، فتتردد على القاهرة بشكل يومي بسبب عملها ودراستها، وتستخدم المترو أيضاً بشكل يومي حتي تصل إلى "الميكروباص" الذي يأخذها إلى قريتها.

 

تستكمل الحكي، وتقول "مفيش تعافي تام من اللي حصل أنا طول الوقت خايفة، خايفة اتخطف في الشارع خايفه حد يغتصبني، لكن في تطور، من مرحلة أنى خايفة أتكلم وأقول ان بيتم التحرش بيا أو أعلى صوتى وافضح المتحرش، لمرحلة أني مدركة أن ده حقي، هي نقطة التحول خاصة بوعي لوجودي وحقوقي".

 

في مكان آخر، منذ سبع سنوات، يأخذ محمود المترو من محطة عزبة النخل، إلى محطة حلمية الزيتون، حيث مدرسته، يحمل شنطة المدرسة ويستعد ليومه، كان في السنة الأولى بالمرحلة الإعدادية، يركب المترو المزدحم مثل كل يوم، فهو أعتاد على ذلك، أعتاد إيضاً على أن لا يوجد مساحة بينه وبين باقي الركاب، فهم يحوطونه، حتى أنه أحياناً لا يستطيع أن يحرك يده أو يفتح الشنطة بسبب الزحام.

 

شعر بيد من خلفه تلمسه، تلمس منطقته الحميمة، شعور التوتر والخوف يزيد داخل محمود، لما يستطيع أن يتحرك بجسده بسبب الزحام، لكن لف رأسه لينظر إلي المتحرش، ويحكي "كان إنسان عادي خالص، موظف تلاتيني أو اربعيني بشنب، كنت متوقع إني لما ابص هلاقي شخص شرير، عنده أنياب ومخالب، لكن ده اللي اكتشفته بعدين إن المتحرش مش هيبقى ليه شكل معين، هو ممكن يكون الشخص اللي واقف جنبك، لما بصيت له كان باصص قدامه ولا كأنه كان بيعمل حاجة، بصعوبة أتحركت من مكاني لحد ما نزلت محطة المدرسة".

 

 

لم تكن هذه المرة الأولى لمحمود، تعرض للتحرش في المترو مرة أخرى، ولكن بعد سنتين، كان في الصف الثالث الإعدادي، في نفس الرحلة اليومية للمدرسة، في نفس الزحام والمتحرش يلمس نفس المكان، المختلف هو أن المتحرش يرتدي شنطة كتف، ويخبئ يده تحتها، "وحسيت لما حصل كده أن هل المفروض ده يكون شيء أتعود انه بيحصل؟ المفروض أتأقلم عليه؟، أحضر استراتيجيات للدفاع مثلاً؟، الغريب إني لما بصيت له فضل حاطط ايده، كان باصص للأفق كده كأنه بيتأمل، أتحركت وغيرت مكاني".

 

محمود اليوم هو يبلغ من العمر ١٩ عاماً، مازال يستخدم المترو بشكل يومي للذهاب إلى جامعته، وأحياناً يستخدم مواصلات أخري، يحكي عن ما يشعر به داخل المترو، "طول الوقت في المترو عندي قلق ان ده هيحصل تاني، بشك دائماً مش بدي الأمان لأي شخص، خصوصا لأنهم كان شكلهم عادي اوي، دايما بفضل ابص حواليا، لما حصلي تحرش كنت ساعتها فاكر إن المترو هو الكون كله، مكنتش عارف إني ممكن استخدم مواصلات تانية ".

 

 

بعد أن أصبح محطات المترو موجود في أغلب أنحاء القاهرة، تحديداً بعد المرحلة الثانية من تحديثات الخط التالت التي تمت في أغسطس٢٠٢٠، التي تم فيها إنشاء محطات بمنطقة جسر السويس والمناطق المجاورة، وأيضاً تحديث عربات مترو الخط الأول، زاد ذلك من كونه خيار جيد، غير أنه مواصلة تناسب الطبقة المتوسطة والموظفين مقارنة بباقي الخيارات المتاحة.

 

مترو الأنفاق هو المواصلة الوحيدة في القاهرة التي تقدم تسهيلات لمستخدميها، فهي تقدم اشتراكات لمدة ٣ شهور بأسعار رمزية، لطلاب المدارس والجامعات وذوي الإعاقة وكبار السن، وبالنسبة للتذاكر تكون بنصف سعرها لكبار السن، وتكون بخمسين قرشاً لذوي الإعاقة، كما أن يوجد محطات للجامعات مثل محطة جامعة حلوان في الخط الأول، محطة جامعة القاهرة بالخط الثاني، محطة كلية البنات والعباسية بالخط الثالث الخاصين بجامعة عين شمس.

 

فكل ذلك يجعل للمترو مستخدمين كثيرين، من موظفين وطلاب، فالمترو ينقل بشكل يومي ٢.٥ مليون راكب، حسب بيان الشركة المصرية لإدارة وتشغيل مترو الأنفاق في أبريل ٢٠٢٠، الذي نقلته بعض وسائل الإعلام، لذلك وقت خروج المدارس والموظفين يكون هو وقت الذروة للمترو، يكون الزحام هو الشيء الطبيعي في ذلك الوقت.

 

مستخدمين مترو الأنفاق ليس فقط سكان القاهرة، بل احياناً يكون زوار إلى القاهرة من المحافظات، ابتسام في زيارة إلى القاهرة مع أسرتها، وسط رحلتهم قرروا استخدام المترو، تفرقوا في زحام المترو، لكنهم كانوا بنفس العربة، كانت ابتسام ١٦ عام وقتها، تستطيع أن تتعامل مع الزحام، ليس من الضروري أن تتحرك، ولكن في لحظات شعرت بجسد يقترب منها بشدة، ويد تلمس منطقتها الحميمة.

 

تحكي ابتسام " وقتها ماكنتش أعرف يعني إيه تحرش، لكن كنت خايفة جداً ومشلولة، حاولت أتحرك بس المترو كان زحمة، نزلت المحطة مع أهلي ومقولتلهمش حاجة، لكن لقيته نزل ورايا، رغم وجود أهلي فضل ماشي ورايا ومراقبني لحد ما وصلنا البيت".

 

بعد ١٤ عام، مازالت تلمس ابتسام أثر ما تعرضت له، فتقول " الموقف سايب جوايا خوف من التجمعات، لدرجة أن ممكن يجيلي Panic attack (نوبة ذعر) لو فضلت في مكان زحمة فترة".

 

انتقالاً إلى محطة حدائق حلوان، يأخذ كريم المترو، ثم يغير إلى الخط الثاني للوصول لمحطة الدقي، وسط الزحام المعتاد تقف بجانبه بنت، يحاول أن يعطيها مساحتها رغم الزحام، لكنها كانت تقترب منه أكثر، حتي لمست منطقته الحميمة، يروي كريم "كانت بنت عشرينية شكلها نضيف، وقفت بجنبها ناحيتى ووشها للباب، لمستني، واستغلت أن مفيش حد هياخد باله علشان الزحمة"

 

 

يستكمل "أنا حسيت بصدمة إزاي بنت تعمل كده؟، لسه بفكر أخد رد فعل، لكن كان المترو وصل المحطة اللي هنزل فيها، أظن أني تعافيت من اللي حصل، لكن احياناً لما بدخل مترو الخط الثاني بفتكر اللي حصل، وبكون مستعد أني أخد رد فعل لأي حد هيقرب منى"، "كمان كل ما بشوف بوست على الفيسبوك عن التحرش بفتكر، تحديداً لما بيكون كل الناس بتشتم في الرجالة بشكل عام، مش بشتم في المتحرشين، وكأن مفيش جانب تاني، وأن المتحرش ممكن يكون راجل أو ست".

 

تختلف الفترة التي يحتاجها ضحايا التحرش للتعافي، وأحياناً قد لا يتعافوا، وضحايا التحرش في المترو، هما ضحايا من نوع مختلف، فهم بشكل يومي يزورون المكان الذي تعرضوا فيه لذلك الحادث الملئ بألم وخوف، وقد يتعرضوا له عدة مرات أخري.

 

كل الأسماء التي ذكرت في موضوع هي أسماء مستعارة، حفاظاً على هوية أصحاب القصص وسلامتهم الشخصية.