محمود "الفنان الصغير" ..بين معاناة التنمر وحلم الموهبة

كتب عين الأسواني
2021-08-12

محمود "الفنان الصغير" ..بين معاناة التنمر وحلم الموهبة

 

كتبت: أمنية عبداللطيف وطيف حسن

 

يوجد كثير من حالات "داون" يخاف منهم بعض الناس، وقد لا يتعاملون معهم باعتبارهم أطفالًا أوبشرًا، ويظن البعض أن أطفال الـ"داون" عدائيون، لكنهم لا يدركون أنهم سبب ذلك العداء.

ولكن لم يدرك المجتمع الطبيعة الخاصة لأطفال الـ"داون"، وما يتمتعون به من مواهب متميزة، وما يحتاجونه من دعم حتى يكبرون، ويصبحون نافعين لأنفسهم ومجتمعاتهم.

 

ونعرض لكم قصة محمود الذي حاربت والدته كثيرًا من أجله ـ ولا تزال ـ لا سيما وأنها تعمل في مجال ذوي الهمم، ولديها خبرة طويلة ساعدتها في اكتشاف مرض ابنها منذ ولادته، من 19 عام.

تقول في حديثها لـ"عين الأسواني": "لأني مدرسة تخاطب كنت أعلمه التخاطب، لكنني عملت معه على تعديل السلوك أكثر؛ فلقد عملت لمدة 13 سنة مع ذوي الاحتياجات الخاصة قبل أن ألد محمود، كما عملت في حضانة التأهيل في سنة ٩٠، وحضرت دورات تدريبية في القاهرة في حضانات ومراكز ذوي الهمم، خصوصًا المكفوفين وضعاف السمع، والبكم".

 

وتكمل: "عندما اكتشفت أن محمود "داون" بدأت أساعده بكل ما تعلمته من عملي، وبدأت تعليمه من بداية طريقة دخول المرحاض والتصرف به، وعندما أصبح لديه 6 شهور تعاملت معه على أنه طفل طبيعي، فلا يشعر من حولنا بأي اختلاف فيه"

 

سافرت إلى القاهرة وجميع الأطباء أخبروني أن نسبة الذكاء لديه مثل الأطفال العادية، والفرق فقط في أن لديه نسبة تأخر وأن نسبة "الداون" لديه بسيطة جدًا لا تذكر، وقدمت له في حضانات مثل الأطفال الطبيعية، ثم المدارس العادية في الابتدائي والإعدادي وحتى هذه السنة في الدبلوم، وهذا بفضل محافظ أسوان الأسبق ـ رحمه الله ـ سمير يوسف".

 

"المحافظ الأسبق ساعد جمعية الإعلاميين عندما تقدموا بطلب لإدخال بعض أطفال الجمعية إلى مدارس عادية، فطالبهم بإجراء لقاءات مع الأطفال ليرى إذا كانوا مؤهلين للالتحاق بالمدارس العادية، وعندما تحدث مع محمود أحس أنه طفل طبيعي ويمكن أن يدخل مدارس عادية فأعطاني طلب لكي أقدمه للمدرسة" ـ تحكي لنا والدة محمود ـ.

قدمت والدة محمود طلب انتداب في التربية والتعليم لتبقى بجانب ابنها، بعدما كانت تعمل في الشؤون، ولكنها لم تلاحظ أي تنمر على حالة ابنها من زملائه، قائلة: "أعتقد لم يتكلم أحد لأني موجودة معه في المدرسة، كنت أدخل الفصل وأتكلم مع الأطفال، وأقول لهم إن محمود أخاكم وصديقكم، قد يختلف عنكم قليلًا فهو متأخر قليلًا في النضج، وشكله متغير لأنه يشبه والده كثيرًا".

 

"حاولت أفهمهم بهذه الطريقة، وأبعد عن أفكارهم فكرة أن محمود غير طبيعي".

تتابع: "عندما تعامل محمود مع الناس لم يخف، لأني من البداية كنت

أسافر به وأخرج بين الناس، وأجعله يتعامل معهم دون خوف، كما كنت حريصة على حضوره الأفراح لكي يأخذ على الناس والجو، شيء طبيعي تعامل محمود مع الناس لأني لم أحبسه أو أخفيه عن الناس بالعكس".

 

"لم يكن في فترة دخوله المدرسة في وعي نهائي وكان يطلق عليه بعض الناس "أهبل" لأنهم لا يفهمون معاناته ، ومحمود عندما يشعر بأن شخص يتنمر عليه أو يبتعد عنه هو الذي يبتعد عنهم من نفسه، وإذا شعر بأن الشخص يريد أن يتحدث معه يجلس ويتحدث عن كثير من الأشياء".

 

"عندما أجده جالس منعزل أذهب إليه يشكو لي وصف بعض الناس له بعدم الفهم، فأساله هل أنت لا تفهم فعلًا؟ انت ترتدي ملابس جميلة، ووجهك لا شيء فيه، والمدرسون في الفصل يحبونك".

"طبعًا أشكر المدرسين لأنهم كانوا دائمًا متابعينه في الفصل، و يركزون معه ويهتمون به كثيرا، كما أنه كان يحب المشاركة، فإذا جاوب شجعته المعلمة وطلبت من الأطفال التصفيق له".

 

تتذكر: "في الشهادة الابتدائية ظنت المدرسة أنه لا يعرف الكتابة، فحاولت مساعدته، لكنه تضايق جدًا، وبكى وانفعل، لأنه شعر بالإهانة، كنت أجلس في الشارع أنتظره، فجاء إلي بعض المدرسين يخبروني ببكائه، فذهبت إليه وقمت بتهدئته، وأخبرته أن المعلمة لا تقول له أنه لا يعرف يكتب".

"بعد ذلك دخل مدرسة مهني لمدة ثلاث سنوات، والآن هو في دبلوم زخرفي ثلاث سنوات قسم زخرفة".

تستكمل: "عندما كان لديه 5 سنوات، بدأ بإمساك القلم والكتابة به في كل مكان وبعد ذلك بفترة قليلة، بدأ يرسم ملامح، وعندما بلغ 7 أعوام، بدأت مرحلة البحث أذهب به إلى قصر الثقافة وأسافر به القاهرة وأماكن الرسم والنادي، واكتشفت أيضا أنه يحب الموسيقى، فأحضرت له "أورج"في يوم ميلاده، لكن أتمنى ان يتبنى موهبته أحد، لأن محمود يعمل نفسه بنفسه".

 

وتضيف: "أنا نفسي مدرس موسيقى يعلمه المبادئ، محمود يحاول البحث عبر الموبايل، ويبحث ويعلم نفسه، لكني أتمنى أن يعلمه متخصص، فالرسم أيضًا تعلمه مع نفسه، ذهبت به إلى قصر الثقافة مثل باقي الأطفال لم يجد اهتمام؛ ولأني نوبية كنت آخذه أفراح في البلد وعندما نعود كان يرسم كل شي في الفرح بدقة وبجميع التفاصيل التي حدثت".

 

"لدي أيضا أحمد في الصف الثاني الثانوي، يشعر أننا نحب أخاه أكثر، فيوجد بعض الغيرة من أحمد لمحمود، أحاول أن ألغي هذا الشعور إذا اشتريت شيء لمحمود اتصل به وأخبره هل تريد أن اشترى لك شئ؟، أحاول أن أفهمه ان أخاه يختلف عنه في كثير من الأشياء".

 

"يقول لماذا لا تغضبون على محمود عندما يتعصب مثلي رغم أنه يكسر كثير من الأشياء عندما يتضايق، أحمد يتعمد أن يعاند ويضايق في محمود مثل باقي الأخوات في البيت، لكن رغم ذلك لا يستطيعون الجلوس فى المنزل من غير بعض".

 

"في مرة استفزه أحمد كثيرًا جعله يمسك طوبة ويكسر باب الثلاجة، حضنته هدي تمامًا، فوجدته يقول: أنا ليه عملت كده ويعتذر كثيرا لأنه فعل ذلك الشي، لكن عندما يمرض أحد منهم يتأثر الثاني كثيرا".

 

"عندما يجلس محمود في المنزل يصبح انطوائي جدًا، في الخارج دائما يكون مع أصدقائه ويلعب، عندما ندخل إلى المنزل يصبح وحيدًا تماما، يجلس على الموبايل أو يرسم أو يلعب على الأورج فقط، ولا أعتقد أنه سوف يأتي عليه يوم ويترك الرسم او الموسيقى لأنه يعشقهم"

وعن نظرة المجتمع؛ تقول: "عمري ما ركزت مع نظرات الناس لابني وعندما أرى شخصًا يركز معه كثيرًا، أخبره: (أنا عارفه إن ابني قمور عشان كده حضرتك بتبص عليه)، لكني لم أستعر منه أو أخبئه من الناس أبدًا".

"بالنسبة لأهلي يحبون محمود كثيرا ويتحدث مع اخواتي واطفالهم أكثر مني أنا شخصيًا، ولدي أخ في الكويت كل يوم يتحدث مع محمود لدرجة أنه يقول لي إنه يعرف جميع أخبارنا من محمود؛ فهو ودود وإذا علم أن اليوم عيد ميلاد أحد من أقاربنا يقدم له التهنئة على الفيس بوك، ويرسل له فيديوهات وصور".

"ظهر لدي كانسر وكان ميعاد جلسة كيماوي لم أذهب إلى الجلسة من أجل إمتحان محمود وأجلتها لمدة أسبوع، ولم أشعر نهائي بأني ضغطت على نفسي في يوم من الأيام؛ لأني إذا مرضت لا يخرج هو من المنزل نهائي من دوني ويجلس معي حتى أتحسن".

 

"في فترة مرضي كان يبكي لأنه يعلم أنني في المستشفى ومريضة وبأخذ علاج ولا أستطيع الخروج، وممنوع أن يجلس في المستشفى، فالفترة كانت صعبة جدًا عليا وعليه، فهو مرتبط بي كثيرا، لم ينم طوال اليوم، أو يأكل أو يشرب، كان يبكي فقط حتى أحضروه للمستشفى ومعه طعامه ليأكله معي".

 

وبشيء من الامتنان تقول: "أنا ربنا بيحبني بسبب محمود، لأني دخلت لمدة ثلاث مرات في غيبوبة موت، وعدت للحياة منها لدرجة أن الأطباء يستغربون يقولون نحن لا نصدقك نجاتك منها".

 

وتختم حديثها: "أحب أقول لكل شخص بيخبى طفله إن هذه الأطفال خير في المنزل، فوجودهم في المنزل عبارة عن نعمة يأتون بالحنية والحب".