صانع الآلات الموسيقية.. صدفةً حولته من نجار إلى فنان

كتب أهل سوهاج
2019-03-15

كتب : أروى فرغليأميرة أشرف

حرفته كانت النجارة، لكنه شاعر، يهوى الفن ويراه في التفاصيل اليومية، ويحب الأخشاب وتطويعها لصناعة فنه ومنحوتاته، فترك "صنعته" بالنجارة والموبيليا، بعد أن اتم عقده الرابع، ليتجه لصنع الآلات الموسيقية، ليصبح متفردًا بها في مصر، وبديلًا للاستيراد؛ صدفةً محضة ساقته لتغيير طريقه، تلبيةً لرغبة أحد أبناءه، فيصبح بها صانعًا وحيدًا لبعض الآلات الموسيقية، هنا ورشة عم رأفت.

"رأفت" الذي يهوى الفن والشعر ويحب العمل فيما يحبه قلبه ويستمتع به، يصنع 14 آلة موسيقية حبًا في الفن والتراث كالقانون والجيتار والجيتار الشرقي والسمسمية، الآلة ذات الأصل النوبي، والربابة والبزق والكمان، والكمان الإلكترونيك، والعود والناي وآلات أخرى جيدة، صناعة مصرية، على يديه في ثلاث سنوات فقط، والتي أصبح من النادر صناعتها في مصر والاقتصار على استيرادها، وفقد الفن القديم مكانته في مصر لانتشار التكنولوجيا الحديثة وانشغال الأجيال الحالية بها.
رأفت خلف جابر، من مواليد محافظة سوهاج، الذي يبلغ من العمر 56 عامًا، ولديه ولدين وبنت وحاصل على دبلوم تجارة ثم عمل ببعض الورش، حتى فتح ورشته الخاصة بصناعة الأثاث، ولكنه لم يربح حينها رغم عمله الجاد، ثم اتجه إلى صناعة الآلات الموسيقية منذ ثلاث سنوات فقط.
تحول مجال عمله عندما أحب ابنه "ماريو" عزف الجيتار، وطلب منه صناعة واحدًا له من الخشب الذي يستخدمه في الأثاث، وأحضر له بعض الأوتار لصناعته، ولأن "ماريو" كان يبحث أيضًا على من يعلمه، فقرر عم رأفت مساعدته وصنع له واحدًا للتعلم، وبعد ذلك قرر عم رأفت أن يكمل مسيرته في صناعة باقي الآلات حبًا في الموسيقى، وسماع الفن القديم، ولا سيما أن "ماريو" ذو الـ19 عامًا، يعمل معه في هذه الصناعة بعض الأوقات، وتعلم الكثير من العزف وحده من الإنترنت دون اللجوء لدروس خاصة لدى المتخصصين، وابنه الكبير يجيد العزف على آلة القانون، وحده أيضًا ، دون اللجوء لدروس خاصة.

 

يعمل رئيسًا لأمناء مخازن في الصحة، وبالنجارة أيضًا، ومؤهله دبلوم تجارة ويحب النحت، كان في البدء "صنايعي"، بورش الآخرين ممن يفتقروا للخبرة بهذا المجال، على حد قوله، وشعر بالضيق لاضطراره لصناعة ما يملى على أهوائهم، وليس بطريقته التي أرادها، ويقول: "لا أحب كوني مرغوم على فعل شيء، لازم اشتغل حاجة بحبها ومميزة، لكن في ورشه أي حد بعمل شغل بمزاجه، وأنا بحب التجديد، الواحد لو اشتغل اللي بيحبه وأخلص له مش هيكسب، فالنحت هوايتي بقوم بممارسته وقت ما أحب"

يحكي صانع الآلات الموسيقية، فيقول: "في البداية فتحت محل موبيليات وأحب الأشغال الصعبة وبسبب الإيجارات المرتفعة الناس لا تريد الانتظار حتى الانتهاء من صناعة الموبيليا الخاصة بها، فتتجه للأثاث الجاهز لتنتهي سريعًا، لأنها تأخذ وقتًا، ففكرت في عمل الآلات الموسيقية بدأت بالأولى آلة الجيتار فصنعت 14 آلة، كان طموحي عندما أصنع آلة أصنع غيرها ولم يعلمني أحد صناعتها، أرى الآلة وأدقق فيها وأصنع مثلها تمامًا، وكل آلة لها سرها وتفاصيلها".

ويضيف: "رأيت القانون ساعة فقط ودرسته وصممت مثله، شغلتي نحات على الخشب في الأصل، فأعمل على تطويع الخشب الموجود إذا كان من النوع الزان أو غيره من المتوفر، وهذا لا يصنع منه الآلات فلذلك صناعة الآلات منه صعب، ولكن بستخدمه لأنه متوفر وقليل الثمن مقارنةً بالخشب الخاص بعمل الآلات، من صناعتي للآلات عرفت أن أهم شئ في الآلة الصوت والأوتار وخفة الوزن، وأنا أصنعهم كذلك، وأيضًا الكمان والبزق والجيتار لا يصنعهم أحد في مصر، حيث يُعتمَد على الاستيراد من الخارج"


وعن آلة البزق يقول: "استغرقت مني آلة البزق عام ونصف شغل لصناعته على قالب قديم فيحتاج لدراسة، فأول آلة صنعتها كانت بعيب صغير لكن الثانية أصبحت بلا عيب أو مشكلة، عندما أشعر بالملل من الآلة أتركها لفترة، حتى لا أشعر بالملل فتكون النتيجة آلة غير جيدة، ثم أعود لصناعتها بالشكل الذي يليق، وحاولت عرض منتجاتي على موقع التواصل الإاتماعي، لكن ليس هناك من يهتم".


لم يتلقى رأفت التشجيع أو التحفيز من أحد، ولأن عمله غير مربح، وهو يبحث عن المميز والذي يحبه كي يعمل عليه، معلقًا: "لو يأست أموت، وعندي إصرار الشياطين في شغلي وبسعى فيه، رغم إن الآلات وقفت كعائق مادي بالنسبة لي والمحل إيجار مش ملكي إلا إنني اندمج في صنع الآلة لوقت طويل لا أشعر به"

وحول الفترة التي قضاها للانتقال بين عمله بالنجارة إلى صنع الآلات، يقول عم رأفت انه لم يستغرق الكثير، كما انه اندمج فيها سريعًا، ولكن، كما يقول: "تغير طبع الناس وحالهم، وأصبحوا لا يقدروا الفن كما سبق، لكن لو تأملنا في كل شئ بجوارنا سنجد الفن في كل التفاصيل، فمثلًا الذي يسكب الشاي بطريقته الجميلة هذا بالنسبة لي فن، فلنتأمل ونشاهد بنظرة ثانية".

أحب "رأفت" الموسيقى كثيرًا والاستماع لفيروز وأم كلثوم، ويعلق بأن أبناءه لم يريدوا العمل معه لقلة الأرباح المبيعات، فيقول: "أنا فقير لكني أترك لأولادي فنًا وليس مالًا".

وعن صناعته للآلات يقول: "أنا صناعتي شغل يدوي أصيل، يعني لها ثمنه، ورغم عقدة الخواجة، لكني مصري وأقوم بصناعة مصرية، ومحلي إيجار لكني حولته من موبيليا لصناعة الآلات، لأنه خشب في صميم شغلي، وتقريبًا لا يوجد من يصنع في مصر الآلات وخاصةً القانون، وأنا صنعته، واللي بيشتروا مني محترفين، لكن غلابة، ذوي دخل قليل، وبعض ممن يرغبوا في التعلم فيشترون الرخيص غير مدركين أهميته"


قبل أن يصبح عم رأفت هاوي لصناعة الآلات، كان يحب كتابة الشعر عن واقع بيئته الذي يعيشه، وحال الناس ممن حوله، لا عن الخيال، ويكتبه في وقت راحته بعد عناء عمله، وليس رفاهيةً، بالذهاب لمناطق جيدة مثل بعض الشعراء لكتابته، كما نُشر له ديوان شعر عامي باسم "بدَوّر عَليّا"، ويقوم بنشر الأبيات على صفحته الشخصية على الفيسبوك.